“روتيني اليومي” وبورنوغرافيا مؤخرات اليوتيوبرز في المغرب

“عندها روتين يومي كبير” (لديها مؤخرة كبيرة)، هكذا يحلو للبعض التعليق بسخرية وهم يشاهدون نساء من مختلف الأعمار يمارسن أمام كاميراتهن ما يسمينه “الروتين اليومي” داخل بيوتهن أو محيطهن الضيق.ربات بيوت أو فتيات في مقتبل العمر، صرن مشاهير اليوتيوب في المغرب، عبر استعراض مؤخراتهن طلباً لنسبة مشاهدة أعلى، فقيمتك سيدتي تتحدّد بعدد مشاهديك ومتابعيك وما تجنيه أردافك من لايكات.

تصدّر عنوان “روتيني اليومي” مئات الفيديوهات على موقع يوتيوب، محققاً مشاهدات مليونية في المغرب. ورغم السخط والجدل الكبير الذي أثارته، إلا أنها ما تزال تستقطب عدداً مرعباً من المشاهدين أو المستهلكين بالمعنى الرأسمالي، معتمدة على “إباحية” قدر المستطاع، في حدود ما يسمح به العرض عبر هذه المنصة

المجتمع العاري

معظم صانعات المحتوى أميّات أو حظين بتعليم متواضع، لكنهن انتبهن إلى دور “الإثارة الفورية والإشباع المؤقت”. فهذه الفيديوهات تستدعي طلباً أكثر، ونظراً مُفرطاً، ما يجعل الصُور تتحول إلى فحش أو بورنوغرافيا، من حيث إنها لا تستغرق أي وقت لإدراكها، فهي تقدّم المعنى عارياً.

ربات بيوت أو فتيات في مقتبل العمر، صرن مشاهير اليوتيوب في المغرب، عبر استعراض مؤخراتهن طلباً لنسبة مشاهدة أعلى، فقيمتك سيدتي تتحدّد بعدد مشاهديك ومتابعيك وما تجنيه أردافك من لايكات

بإفراط، تداول مغاربة حلقات “روتيني اليومي”، تظهر في إحداها امرأة تتحدث عن علاقتها الزوجية التي عادت إلى طبيعتها بعد ما وصفته بـ”التشنج” السابق، ثم يظهر زوجها وهو يضربها ويعنفها دون أي مبرر، بينما عمدت أخرى إلى تصوير زوجها وهي تساعده على الاستحمام. ثمة أيضاً من أعطت دروساً طبية في كيفية تكبير العضو الذكري أو استغلال مني الرجل في التجميل، بل وقد وصل الأمر بإحداهن أن وعدت المشاهدين بخلع حمالة صدرها على المباشر إن هم رفعوا عدد المشاهدات.

ولا بدّ من البحث عن طريقة أكثر ابتكاراً كل مرة لرفع عدد المعجبين، في الوقت الذي يستحيل فيه وضع خاصيه “اللاإعجاب” dislike في وسائل تواصل معينة. وإن كان الفيسبوك قد رفض إدراج هذه الخاصية، إلا أنها متاحة على اليوتيوب، لكن الفخ هنا، أنها تعمل عمل اللايك نفسه وهو الرفع من عدد المشاهدات عبر الرفع من عدد الاقتراحات؛ فما أن تضغط على زر “عدم الإعجاب” حتى يقترح عليك اليوتيوب فيديو مشابهاً لما حاولت الهرب منه.

قيمتك في عدد مشاهداتك

يُوسم مجتمعنا المعاصر بلافتة “شاهد قبل الحذف” و”كن أنت المشاهد الأول” و”شاهد الفضيحة”… إنه عصر الشاشة كما يصفه ريجيس دوبري في كتابه “حياة الصورة وموتها”، عصر “النظر المفرط”، إن أردنا الأخذ بتعبير الفيلسوف الألماني بيونغ تشول هان، عن كتابه “مجتمع الشفافية”.

بل إنه عصر “الإعجاب المفرط”، فالكل باتوا يلهثون خلف استمالة المشاهدين للضغط أكثر على زر الإعجاب، وزر تقاسم المحتوى، ولو تطلب الأمر استعراضاً مجانياً للجسد، حد اللاّمتوقع والتخمة.

بل إن بعض النساء، وتحت مسمى “روتيني اليومي”، صرن على أتم الاستعداد للوقوف أمام الكاميرا شبه عاريات، طلباً لمشاهدين جدد، وتحسباً لـ”هروب” المشاهدين السابقين.

تصدّر عنوان “روتيني اليومي” مئات الفيديوهات على موقع يوتيوب، محققاً مشاهدات مليونية في المغرب. ورغم السخط والجدل الكبير الذي أثارته، إلا أنها ما تزال تستقطب عدداً مرعباً من المشاهدين

يمثل الـيوتيوب اليوم نموذجاً لمفهوم “الحياة السائلة” كما تصورها زيغمونت باومان، أو حياة ما بعد الحداثة، حيث يُسارع الجميع إلى الاستهلاك، وإلى أن يكونوا على دراية يومية بالجديد (آخر الفيديوهات، آخر الماركات، آخر الفضائح…)، فقيمة الفرد غدت تتمثل في كمية استهلاكه، والاستهلاك -هنا- يحضر على المستوى الحياتي: مادياً ومعلوماتياً.

فكونك تعرف آخر الإنجازات والفيديوهات -سواء اتفقنا على تفاهتها أو جودتها وأهمية محتواها من عدمه- يعني أنك امتلكت قيمة ومكانة في الجماعة السائلة!

قيمتك في عدد مشاهداتك إذن لا شهاداتك، كما يقول أحدهم. لهذا يتهافت أغلب الناس على استهلاك فيديوهات أكثر، بما فيها مشاهد “روتيني اليومي”، بل ظهر متخصصون في إتباع وتحليل ونقد أو السخرية من هذه الفيديوهات، ولهم مشتركون يبلغ عددهم عشرات الآلاف. فالكل يريد أن يشاهد “قبل الحذف”، ويتلصص على الروتين اليومي للآخر!!https://www.youtube.com/embed/sewQYWrtQPY?rel=0

بورنوغرافيا لايت

بين من يشاهِد أكثر ومن يُشاهَدُ أكثر، يتنافس المتنافسون ويتسارع رواد اليوتيوب بالتحديد، إلى استعراض “ممتلكاتهم الخاصة”، فقد ولجنا زمن “مجتمع شاهد كي تصدق”، شاهد أكثر وتفاعل أكثر، بلا متعة أو شغف، عليك فحسب أن تستهلك حد الشبع، بل ألاّ تشبع أبداً مع تدفّق الفيديوهات المتسارع.

حيث أدرك مستعملو هذا العالم الافتراضي قيمة الإغواء الذي “يعتمد على المسارات التي تتحرك عبر الالتفاف والانحراف والمراوغة، تماماً كما يعمل الفني على توظيف العلامات الملتبسة”، يخبرنا تشول هان. لكن هل يمكننا وصف فيديوهات “روتيني اليومي” إذن على أنها أعمال فنية؟

  تتكئ هذه الفيديوهات على قيمة العرض، وهي قيمة رأسمالية بحتة، وليس على قيمة “القداسة” حسب تعبير والتر بنيامين، إذ إن “الإفراط في العرض يحوّل كل شيء إلى سلعة”، ما يجعل أجساد هؤلاء النسوة تتحول إلى سلعة معروضة “للمشاهدة”: إنهن خاضعات لقوة الرأسمال المعاصر، الذي “يُخضع كل شيء إلى قانون العرض القهري”، بينما يكتسب العمل الفني قيمته بالغياب، فهو حاضر حينما يغيب عن النظر، أي حينما نستحضره ذهنياً لنؤوله في صمت ذاتي.

أما هذه المشاهد اليوتيوبية التي تستمد قيمتها من العرض المستمر، فيستحيل استحضارها ذهنياً، بل من إفراط مهول في النظر، و”الإفراط في النظر فحش”، كما يخبرنا هان دائماً. إذ إنها تفتقر إلى سلبية ما هو مخفي، ما لا يمكن الوصول إليه، ما هو سريّ، ما يجعلها تتحول إلى عري من أجل العري، حيث يُعرض الجسد للإغواء الأعمى وللمزيد من المشاهدات، بلا رمزية أو غموض أو لعب (أساس كل عمل فني).

إلغاء الإيروس والإثارة الجنسية لصالح الابتذال

يعمل تراكم المشاهدات وتسارع وضع الفيديوهات إلى “مضاعفة رأسمال الانتباه”، أي جعل المتلقي عاجزاً عن “إغماض عينيه”، وفي حين يتعلق العمل الفني بالقطع والفصل، ترتبط البورنوغرافيا بالوصل والاتصال، وهي الركيزة التي تتكئ عليها “الروتينيات اليومية”.

فبالكاد يُوضَع فيديو على قناة ما حتى يليه آخر على ذات القناة أو غيرها، دافعاً بالمتلقي إلى المزيد من الانتباه وفتح العين، أي بالمعنى السيكولوجي عدم العودة إلى “منطقة الظلمة”، إلى الذات العميقة والتأمل.

بين من يشاهِد أكثر ومن يُشاهَدُ أكثر، يتنافس المتنافسون ويتسارع رواد اليوتيوب بالتحديد، إلى استعراض “ممتلكاتهم الخاصة”، فقد ولجنا زمن “مجتمع شاهد كي تصدق”، شاهد أكثر وتفاعل أكثر، بلا متعة أو شغف، عليك فحسب أن تستهلك حد الشبع

 يلغي العرض عملية التأمل لأنه يقدم “المعنى” في صيغة متعة مفرطة، تلغي بالتالي الإيروس والإثارة الجنسية، لصالح الابتذال. ما تقوم به عارضات الروتين اليومي هو العرض الدائم اللاّمنقطع لمؤخراتهن وتفاصيل حياتهن رفقة أفراد عائلاتهن، بمن فيهم أزواجهن…

بل إن “الروتيني اليومي”، قد نصف به حتى فيديوهات الشباب الذي لا يكفون عن نشر مقاطعهم المصورة لتفاصيل حياتهم، في عري تام، والعري هنا رديف الشفافية، أو كما يؤكد بيونغ تشول هان:

“تصبح الصور شفافة -عندما تتحرر من كل نزعة تربطها بالمشهد المسرحي أو الرقص أو التصوير، عندما تتحرر من أي عمق تأويلي، ومن أي معنى على الإطلاق- عندما تغدو أكثر التصاقا بالبورنوغرافيا، التي هي عبارة عن اتصال سطحي بين الصورة والعين”.

 لننظر إلى فيديوهات أولئك لنسوة اللواتي يرفعن جلابيبهن ليشمرن على “مؤخراتهن” قدر المستطاع، وهن يولين ظُهورَهن للمستهلك المراهق في الغالب، بينما يقمن بأشغال البيت الرتيبة والروتينية، التي تخلو من أي قيمة، فهن فقط يغازلن الناظر بأردافهن، بينما يكمن العري لدى باقي الشباب، في عملية “الفضح” المتواصلة والكشف غير المنقطع للتفاصيل الحميمة، حيث تنعدم الخصوصية ويصير الفضاء العام مكتسحاً للمنازل التي تستبدل جدرانها الإسمنتية بجدران زجاج عدسات الكاميرات.https://www.youtube.com/embed/_J-gaFxUUKc?rel=0

الإغراء هو المتحكم في سوق الاستهلاك، وهو عينه الذي يتحكم في عالم اليوتيوب. أنت لا تدخل لليوتيوب من أجل التثقيف وأخذ المعلومة، بل من أجل المتعة وإشباع الرغبات

وبلمحة خاطفة يمكن أن نلاحظ أن أغلب الكلمات التي يتم تداولها في اليوتيوب هي من قبيل: “مثير، الفضيحة، الجنس، شاهد قبل الحذف…”، فالإغراء هو المتحكم في سوق الاستهلاك، وهو عينه الذي يتحكم في عالم اليوتيوب. أنت لا تدخل لليوتيوب من أجل التثقيف وأخذ المعلومة، بل من أجل المتعة وإشباع الرغبات.

فما بعد الحداثة أو الحداثة السائلة تعادي الخلود وتنتصر للآني والفوري، لهذا لا يُنتج رواد اليوتيوب إلا فيديوهات سريعة التداول والزوال. قد يبلغ عدد مشاهدات فيديو معين ملايين المشاهدات لكن لمدة لا تتجاوز أسابيع قليلة، ثم يختفي تناقله بين المشاهدين؛ الأمر شبيه بالإشاعة وآثارها. والبحث هنا مُنصبٌّ على تحقيق أكبر قدر من المشاهدات في أسرع وقت ممكن، وإن كلّف الأمر فضح شخص آخر أو نشر إشاعات شخصية.

الحل في الرقابة؟

وفيما تتصدر هذه الفيديوهات الـ”تريند” المغربي، تتعالى مطالبات بتدخلات رقابية لمراجعة ما يتم تقديمه على منصات اليوتيوب وغيرها من مواقع التواصل. ما يُرجعنا إلى مفهوم السلطة من حيث أنها ليست شراً دائماً، كما يذهب فوكو، إذ “في كثير من الأحيان قد يكون من المفيد التحكم والتقليل من المعلومات المتاحة”. وهذا ما ترفضه الشفافية، وما يرفضه المجتمع الرأسمالي، القائم على “قيمة العرض” وتسليع كل شيء، بما فيها الأجساد والحياة الخاصة.

مقالات ذات الصلة

13 أغسطس 2021

لغز نفرتيتي هل دفنت الملكة في غرف سرية خلف مقبرة توت عنخ آمون؟

13 أغسطس 2021

امرأة تخرج أحشاء جارها بسبب الإزعاج وتنكل بجتته